ثمة قاعدة غير مكتوبة تحكم المشهد العام في كثير من البلدان العربية: إما أن تصفّق، وإما أن تُشكَّك في انتمائك. لا توجد منطقة وسطى. لا يوجد “أنا أختلف لكنني أحب بلدي”. الاختلاف نفسه صار تهمة تحتاج إلى دفاع.
هذه ليست مبالغة. هذا ما يحدث فعلياً حين يُقدّم مسؤول قرارًا مثيرًا للجدل فتجد الساحة منقسمة إلى فريقين: المصفقون الذين يرون في كل قرار حكمة بالغة، والمخوَّنون الذين يرون في كل انتقاد خيانة يُروَّج لها من الخارج. أما التحليل الهادئ، والسؤال المشروع، والاقتراح البديل — فهذه تضيع في الضجيج.
أين المثقف؟
السؤال يُطرح دائمًا بنبرة استغراب، كأن المثقف العربي كائن أسطوري اختفى فجأة. الحقيقة أبسط وأقسى: المثقف موجود، لكنه اختار — أو اضطُرّ — إلى أن يكون في مكان آخر.
ثلاثة أماكن تحديدًا.
الأول: مكتب المسؤول. وهذا الصنف لا يحتاج تعريفًا طويلاً — مثقف وضع أدواته في خدمة من يدفع، يُقدّم التبريرات الفلسفية للقرارات الخاطئة، ويُشارك بنشاط في تخوين من يجرؤ على المساءلة.
الثاني: برجه العاجي. المثقف المنكفئ — وهو الأكثر انتشارًا — آثر السلامة. لم يُقرر الخيانة، قرر الصمت. وجد أن ثمن الكلمة قد يكون وظيفته، أو سمعته، أو حريته، فاختار الكتابة عن أشياء لا تزعج أحدًا. أبحاث أكاديمية بعيدة عن الواقع، أدب تجريبي لا يلمس الجرح.
الثالث: الخارج. مئات المفكرين غادروا — بعضهم هربًا، وبعضهم يأسًا. يمتلكون حرية الكلام لكنهم فقدوا شيئًا آخر: الصلة بالأرض. وكلامهم من المهجر يُقابَل في الداخل بجملة واحدة تُسقط كل حجة: “أنت لا تعيش هنا.”
المشكلة الأعمق
التخوين ليس مجرد ظاهرة اجتماعية مزعجة — إنه آلية لإدارة الرأي العام. حين تُقنع الناس بأن الناقد هو العدو، تضمن أن لا أحد يسمعه حتى لو كان محقًا. والأخطر أن هذه الآلية لا تحتاج دائمًا إلى أجهزة رسمية لتشغيلها — يتطوع لها أفراد عاديون يرون في الدفاع عن السلطة دفاعًا عن الوطن.
النتيجة معروفة: يبقى في الساحة نوعان فقط. المصفق الذي يبحث عن مصلحته، والغاضب الذي لا يملك أدوات النقد. ويغيب الصوت الذي يقول: “هذا القرار خاطئ، وهذا هو البديل.”
ما المطلوب؟
ليس خطابًا عن “أهمية الحوار” — هذا الكلام مكرر ولا يُجدي. المطلوب أكثر تحديدًا:
من المثقفين: الجرأة على العودة إلى الشارع بأدوات جديدة. البودكاست، المقالة القصيرة، المنصات المستقلة — هذه الأدوات موجودة، والعذر بأن “لا أحد يسمع” صار أضعف مما كان.
من المواطن العادي: إعادة تعريف “الوطنية”. الناقد الذي يريد لبلده أن تكون أفضل ليس خائنًا — هو ربما الأكثر اهتمامًا بها ممن يكتفي بالتصفيق.
ومن الجميع: الإقرار بأن الوطن ليس ملكًا لأحد يوزع شهادات الانتماء. هو مساحة مشتركة — وهذه المساحة تضيق كلما ضاق الصدر عن سماع رأي مختلف.
