القانون موجود. النص واضح. المشكلة ليست في التشريع — المشكلة أن أحداً لم يكلّف نفسه تطبيقه بجدية. رغم تجريم الكسب غير المشروع في الأردن منذ عام 2006، تكاد الملاحقات الجزائية بشأنه تكون نادرة جداً — وهذا ليس رأياً، بل ما خلصت إليه دراسة أكاديمية أردنية نُشرت في المجلة الأردنية للقانون والعلوم السياسية عام 2025. Mutah
لكن ماذا لو قرر أحدهم ذات صباح تطبيق القانون فعلاً؟ التاريخ القريب يعطينا أجوبة لا تحتاج إلى تخمين.
حين تُجرِّب الدولة جدية القانون: دروس من الأردن نفسه
الحالة الأبرز في تاريخ الأردن الحديث هي قضية اللواء محمد الذهبي، رئيس جهاز الاستخبارات بين عامَي 2005 و2008. لم يكن أحد في الأردن يتوقع أن يُصدَر بحق الذهبي — وهو من أكثر المسؤولين رهبةً وأقربهم للملك — الحكم الأقصى البالغ 13 سنة سجناً. وجّهت النيابة إليه تهماً تشمل الاختلاس وغسل الأموال واستغلال المنصب العام، وأُلزم بدفع قرابة 30 مليون دولار غرامةً، فضلاً عن إعادة 34 مليون دولار يُدّعى أنه اختلسها خلال فترة توليه المنصب. Al JazeeraAl Jazeera
القضية مهمة لسببين: الأول أنها أثبتت أن الملاحقة ممكنة حتى في أعلى المستويات. الثاني — وهو الأكثر إيلاماً — أن الذهبي لم يكن الأول. سبقه في مقعد الاتهام رئيس استخبارات آخر هو سميح البطيخي، الذي صدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات قضاها تحت الإقامة الجبرية في منزله في العقبة — أي أن العقوبة نُفِّذت على الورق فقط. Al Jazeera
في عام 2019، وبعد احتجاجات شعبية غاضبة طالبت بمحاسبة الفاسدين، وجّهت نيابة محكمة أمن الدولة اتهامات لـ29 شخصاً في “قضية السجائر”، من بينهم وزير المياه السابق منير عويس ومدير الجمارك السابق وداح الحمود ورجل الأعمال البارز عوني مطيع، في لائحة اتهام مؤلفة من 66 صفحة تضمنت تهماً بالرشوة وإساءة استخدام السلطة والتهريب وغسل الأموال، وكان الضرر الذي لحق بخزينة الدولة يُقدَّر بالمئات من ملايين الدولارات. The Times of Israel
في عام 2019، بلغت قيمة القضايا التي أحالتها هيئة النزاهة ومكافحة الفساد إلى النيابة العامة أكثر من 150 مليون دينار، وتراوحت بين جرائم مالية في شركات مساهمة واستيلاء على أراضي الدولة وتلاعب في العطاءات وتضارب مصالح على مستوى البلديات. TimeP
لماذا تتوقف عند هذا الحد؟
كل هذه القضايا تكشف نمطاً ثابتاً: الملاحقة تحدث حين تكون هناك حاجة سياسية لها — بعد احتجاجات، أو لتصفية حسابات، أو حين يخرج المسؤول من دائرة الحماية. وهذا بالضبط ما وصفه باحثون قانونيون بـ”الخط المتوازي بين التجريم والملاحقة”: الشخصيات النافذة في الأردن تقع في منطقة آمنة بعيداً عن الملاحقة بسبب الحصانات الدستورية والتشابكات التشريعية. ResearchGate
الثغرة البنيوية الأكبر موثقة بوضوح: إقرارات الذمة المالية تُحفَظ في خزائن خاصة وتعتبر من الأسرار التي يحظر نشرها، ولا تُفحَص إلا عند تقديم شكوى أو إخبار — وليس بصورة دورية وتلقائية. بمعنى آخر: أداة الرقابة الوحيدة مخبأة عن العيون التي ينبغي أن تراقب. Alrai
إذن من سنرى خلف القضبان فعلاً؟
التاريخ يقول: من يخسر الحماية السياسية. القانون يقول: كل مسؤول عجز عن تبرير تضخم ثروته. الفارق بين الإجابتين هو المسافة الفعلية بين الأردن الذي نريده والأردن الذي نعيش فيه.
التطبيق الحقيقي لهذا القانون لا يحتاج قوانين جديدة. يحتاج ثلاثة أشياء في وقت واحد: قضاءً مستقلاً لا يُوقف الملفات حين تقترب من أسماء بعينها، وإفصاحاً علنياً عن الذمم المالية يُتيح لكل مواطن المقارنة، وهيئة رقابة لا تستقيل من مهمتها في اللحظة التي تُحدّق فيها في الوجه الصعب.
بدون هذا الثلاثي، “من أين لك هذا؟” سيبقى سؤالاً يُطرَح في المقاهي، لا في قاعات المحاكم.
