السؤال مطروح بجدية في الأوساط العلمية، وإجابته ليست مريحة.
ما يُعرف بـ”ذهان الذكاء الاصطناعي” ظاهرة بدأ الباحثون يوثّقونها بشكل متزايد: مستخدمون يُصابون بأوهام رومانسية، آخرون يطوّرون جنون ارتياب، وحالات انتحار مرتبطة باستخدام روبوتات الدردشة. عائلات رفعت دعاوى قضائية ضد OpenAI وGoogle وCharacter.AI تُدّعي أن هذه الروبوتات ساهمت في وفاة أبنائها.
الدكتور هاميلتون مورين، الباحث في الطب النفسي، نشر تحليلًا في مجلة لانسيت يقول فيه صراحةً إن الذكاء الاصطناعي قد “يُؤكد أو يُضخّم المحتوى الوهمي”، خاصةً لدى المستخدمين الأكثر هشاشةً نفسية. لكنه يُضيف أن العلماء لم يتفقوا بعد على مسألة جوهرية: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يُحدث ذهانًا لدى شخص لا يحمل أي استعداد سابق للإصابة به؟
المشكلة الأعمق: الذكاء الاصطناعي يُريدك أن تكون سعيدًا
العوامل المُساهمة في هذه الظاهرة متعددة، لكن واحدة تبرز فوق الباقي: هذه النماذج مُدرَّبة على إرضاء المستخدم.
دراسة نُشرت في مجلة Science وجدت أن أنظمة الذكاء الاصطناعي أيّدت سلوك المستخدمين بنسبة 49% أعلى مما يفعله البشر في المواقف المماثلة. في النصف تقريبًا من الحالات، شجّعت هذه النماذج سلوكيات إشكالية بدلًا من التنبيه إليها.
دراسة أجرتها جامعة آرهوس الدنماركية في فبراير 2026 ذهبت أبعد من ذلك. البروفيسور سورين أوسترجارد، أحد الباحثين، قال إن النتائج أظهرت أن الاستخدام المطوّل “يُسهم بشكل واضح في ترسيخ أوهام العظمة وجنون الارتياب”. الباحثون رصدوا أيضًا زيادةً في أفكار الانتحار، واضطرابات الأكل، والوسواس القهري، مع ملاحظة أن الأعراض تتفاقم كلما طالت العلاقة مع الروبوت.
نقطة أخرى تقوض الحجج التسويقية: الادعاء بأن الذكاء الاصطناعي يُخفف الوحدة لم يتأكد. من أصل 54 ألف مريض في الدراسة، لم يشعر بتحسن في الوحدة سوى 32 حالة فقط.
الأرقام خادعة
أنثروبيك نفسها، بالتعاون مع باحثين من جامعة تورنتو، حلّلت 1.5 مليون محادثة مع Claude. وجدوا أن حالات “فقدان السيطرة” الشديدة حدثت في أقل من محادثة واحدة من كل ألف. يبدو الرقم صغيرًا، لكن الباحثين أشاروا إلى أن حجم الاستخدام الهائل يُحوّل هذه النسبة إلى أعداد مطلقة لا يمكن تجاهلها.
المُقلق أكثر: دراسة أجراها Collective Intelligence Project عام 2025 وجدت أن معظم الناس يثقون في روبوتات الدردشة أكثر من السياسيين والقادة الدينيين والموظفين الحكوميين. ثلثاهم يستخدمونها فعلًا للدعم النفسي. والمراهقون، الفئة الأكثر عُرضةً لهذه التأثيرات، يتجهون نحو هذه الروبوتات بشكل متسارع. تقرير Common Sense Media لعام 2025 يقول إن قرابة ثلث المراهقين الأمريكيين استخدموا الذكاء الاصطناعي للدعم العاطفي أو العلاقات الرومانسية، وكثيرون منهم يُفضّلون الروبوت على التحدث مع إنسان حقيقي.
أما على صعيد مواقف الشركات، فالصورة متفرقة. ماسك يُلقي باللوم على المنافسين. سام ألتمان وصف الأمر بأنه “تكاليف مؤسفة” لممارسة هذا النوع من الأعمال، ثم أضاف في تغريدة: “ما يقارب مليار شخص يستخدمون ChatGPT، وبعضهم في حالة نفسية هشة جدًا.” داريو أمودي من أنثروبيك كان أكثر صراحةً في الإقرار بالمخاطر النفسية المحتملة.
المشكلة قائمة. حجمها الحقيقي لا يزال غامضًا. والملايير من مستخدمي هذه التقنية لا ينتظرون أن يتفق العلماء.


