يرفع لاعب علم فلسطين في ملعب أوروبي، فتشتعل المدرجات هتافاً، وتمتلئ الشاشات فرحاً. لحظة جميلة، لا أحد ينكر ذلك. لكن ما يحدث بعدها هو ما يستوقفني: الحناجر ذاتها، وأحياناً الأصوات نفسها، تنقلب لتهاجم الأردن، الدولة التي حملت هذه القضية حين لم يكن لها ملاعب تُرفع فيها أعلام.

هذا ليس تناقضاً عاطفياً بسيطاً. هذا خلل في الميزان.

الأردن لم يدعم فلسطين من موقع الرفاه أو الفائض. دعمها وهو يتحمل ضغطاً اقتصادياً متراكماً، ويستقبل اللاجئين بالملايين، ويحمي الوصاية على المقدسات في كل محفل دولي، ويدفع فواتير مواقف سياسية لم تكن رخيصة في أي حساب. المواطن الأردني يشعر بثقل هذه المعادلة في معيشته اليومية، ليس في الخطب.

قبل أن تصبح فلسطين قضية يتنافس عليها من يرفع علمها أعلى، كان دم الجيش العربي الأردني يُراق على أسوار القدس وتلال اللطرون. ليس بياناً، ولا موقفاً تكتيكياً. دماً فعلياً.

السهل هو الصراخ في مدرج. الصعب هو أن تدير دولة على حدود نار، وتطعم من لجأ إليك، وترسل المستشفيات الميدانية تحت القصف، وتناضل في أروقة الأمم المتحدة بصبر وأنت لا تتحمل خسارة أي حليف.

ما يزعجني ليس الاختلاف في الرأي، الاختلاف مشروع. ما يزعجني هو أن يُحتفى بـ”الشكل” ويُهاجم “الجوهر”. أن تصبح لحظة رياضية عابرة بطولة، بينما عقود من التحمل والموقف تُرد بالشتيمة.

التاريخ ليس حكماً رحيماً على من يختار ما يتذكر وما ينسى.

الأردن سيبقى في الخندق، شاء من شاء أم أبى. والحكم الحقيقي ليس في ضجيج اليوم، بل في ما تثبته الوقائع حين يخف الدخان.

شاركها.
اترك تعليقاً

Exit mobile version