قرار هيئة الإعلام بفرض رسوم ترخيص على صانعي المحتوى الرقمي — 500 دينار للمحترف و100 دينار للهاوي — أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الرقمية الأردنية. لكن الجدل الحقيقي ليس في الأرقام، بل في سؤال واحد لم تُجب عنه الهيئة بعد: كيف؟
كيف ستعرف أن فلاناً “محترف” وليس “هاوياً”؟ كيف ستصل إلى من لا يريد أن تصلي إليه؟ وما الذي سيحدث لمن لا يلتزم — تحديداً، لا مجازاً؟
القرار جيد. التفاصيل غائبة.
لنكن صرحاء: ترتيب المشهد الرقمي الأردني ليس فكرة سيئة. هناك من يكسب آلاف الدنانير شهرياً من المحتوى، ويعمل في فراغ قانوني تام — لا ضريبة، لا مسؤولية، لا إطار. والمنطق القائل بأن من يمارس نشاطاً تجارياً يجب أن يكون مرخصاً منطق سليم من حيث المبدأ.
لكن القرار الجيد يحتاج تطبيقاً واضحاً، وهذا ما يفتقده الإعلان تماماً.
الهيئة أعلنت الأرقام. ولم تُعلن شيئاً آخر.
من هو “المحترف” بالضبط؟
هذا هو السؤال الأول الذي يجب على الهيئة الإجابة عنه قبل أي شيء آخر.
في المشهد الرقمي الأردني، الحدود ضبابية. شخص يدير صفحة إنستغرام بـ50 ألف متابع ويقبل عروض إعلانية متفرقة — هل هو محترف أم هاوٍ؟ شخص يُنتج محتوى على يوتيوب وتدفع له المنصة مبالغ شهرية متواضعة — أين يقع؟ طالب جامعي يصوّر فيديوهات ويربح من AdSense أقل من راتب عامل — في أي خانة يُصنَّف؟
المعيار المالي هو الأوضح والأعدل منطقياً: من يتجاوز دخله من المحتوى حداً معيناً شهرياً يُعدّ محترفاً. لكن الهيئة لم تذكر أي حد. لم تذكر أي معيار.
وبغياب المعيار، يصبح التصنيف تعسفياً.
آلية التطبيق: الغرفة المظلمة في القرار
الجزء الأكثر إشكالية هو غياب أي تفصيل عن آلية التطبيق.
منصات الإنترنت لا تخضع للاختصاص القضائي الأردني مباشرة. يوتيوب لا يُرسل قائمة بالأردنيين الذين يربحون منه. إنستغرام لا يُخطر أحداً بأسماء شركائه التجاريين المحليين. تيك توك لا تشاركك بيانات منشئيها.
إذاً: كيف ستعرف الهيئة من يجب أن يُرخَّص؟
الاحتمالات عملياً ثلاثة: إما أن تعتمد على البلاغات والشكاوى — وهذا سلاح بيد المنافسين. وإما أن ترصد المحتوى يدوياً — وهذا مستحيل على النطاق الواسع. وإما أن تُلزم المنصات بالتعاون — وهذا يحتاج اتفاقيات دولية ليست موجودة بعد.
لا يعني هذا أن التطبيق مستحيل. يعني أنه لم يُشرح.
العقوبات: سؤال بلا رقم
الغرامات جزء أساسي من أي منظومة ترخيص. فرض الرسوم بلا عقوبة رادعة هو توصية لا إلزام.
الهيئة لم تُحدد:
- ما الغرامة على من يمارس النشاط بلا ترخيص؟
- هل العقوبة مالية فقط، أم تشمل وقف النشاط؟
- هل هناك تدرج في العقوبة بين المخالف الأول والمتكرر؟
- هل المخالف يُعطى مهلة للتسوية قبل توقيع العقوبة؟
لا إجابات. وغياب الإجابات يفتح الباب أمام تطبيق انتقائي — وهذا أسوأ من غياب القانون أصلاً.
الطيف الواسع: من سيتأثر فعلاً؟
المشهد الرقمي الأردني ليس طبقة واحدة. هناك من يعيش من المحتوى فعلاً، وهناك من يُكمّل به دخله، وهناك من يفعله لأنه يُحبّه ويربح منه القليل.
رسوم الـ500 دينار على من يربح 2000 دينار شهرياً من محتواه — معقولة. رسوم الـ100 دينار على من يربح 80 ديناراً كل بضعة أشهر — عبء غير متناسب.
التطبيق الأعمى للتصنيف بلا مرونة سيدفع كثيرين من الفئة الثانية إلى التوقف عن العلنية، لا إلى الترخيص.
ما الذي تحتاجه الهيئة أن تُجيب عنه الآن؟
أسئلة واضحة، تستحق إجابات واضحة:
أولاً: ما التعريف الدقيق للمحتوى “الاحترافي” وما المعيار الفاصل بينه وبين الهاوي — هل هو الدخل، وإن كان كذلك فما الحد الأدنى؟
ثانياً: ما آلية اكتشاف غير الملتزمين؟ هل تعتمد الهيئة على بلاغات المواطنين؟ على فرق رصد إلكتروني؟ على تعاون مع المنصات؟
ثالثاً: ما العقوبة المحددة على المخالفة؟ غرامة مالية؟ إيقاف نشاط؟ تحويل للقضاء؟
رابعاً: هل هناك فترة انتقالية تُتيح لمن لم يكن يعلم بالقرار أن يُسوّي وضعه دون عقوبة؟
خامساً: هل ستُفتح منظومة ترخيص إلكترونية مباشرة، أم أن الأمر سيكون بيروقراطياً بالكامل؟
خلاصة القول
القرار خطوة في الاتجاه الصحيح. لكن الخطوة الجيدة النية التي تُنفَّذ بغموض تُنتج فوضى جديدة بدل أن تُرتب الفوضى القديمة.
هيئة الإعلام مدعوة — وقريباً — لإصدار دليل تطبيقي واضح يُجيب على هذه الأسئلة بلا مراوغة. المجتمع الرقمي الأردني ليس ضد التنظيم. لكنه يستحق تنظيماً يُفهَم، لا تنظيماً يُخشى لأنه لا يُفهَم.
الفارق بين الاثنين كبير. وأثره على القطاع الرقمي أكبر.


