المواطن الأردني الذي يريد إخراج سيارة من المنطقة الحرة اليوم لا يملك سوى خيارين: يدفع الجمرك كاملاً نقداً — وهو مبلغ يبلغ أحياناً ثمانية آلاف دينار أو أكثر — أو يذهب للبنك ويتحمل فوائد تمتد سنوات. لا توجد طريقة ثالثة. هذا الواقع يُقصي شريحة واسعة من المواطنين عن امتلاك سيارة حديثة، وتداعياته تتجاوز مسألة الملكية وحدها.
المقترح الذي نطرحه هنا يُتيح مساراً بديلاً اختيارياً: الجمرك يُدفع على دفعات سنوية عبر رسوم الترخيص، بدلاً من مبلغ واحد مقطوع.
آلية العمل
المالك يستلم سيارته من المنطقة الحرة دون دفع جمرك فوري، مقابل ترخيص سنوي مرتفع — مثلاً ألف دينار بدلاً من مئتين. الفارق يذهب مباشرة لخزينة الدولة كقسط جمركي سنوي. بعد اكتمال المبلغ عبر السنوات، يعود الترخيص لسعره الطبيعي وتتحرر ملكية السيارة بالكامل. السيارة في هذا النظام لا تُباع داخلياً كسيارة عادية — هي إما تُعاد للمنطقة الحرة أو يُستكمل جمركها دفعة واحدة. هذا القيد يُغلق باب التحايل.
أولاً: تحرير المواطن من الاقتراض الإجباري
من يريد اليوم تمويل قيمة الجمرك لا خيار أمامه سوى البنك، بفوائد تبدأ من 8% وتصل أحياناً لأكثر. على مدى عشر سنوات، هذه الفوائد تعني آلاف الدنانير تذهب للمصارف لا للدولة.
النظام الجديد يقلب هذه المعادلة: المواطن يدفع المبلغ ذاته تقريباً، لكن للخزينة مباشرة وبدون فائدة. المصارف تخسر عميلاً مُكرَهاً، والدولة تكسب إيراداً مستداماً، والمواطن يحتفظ بسيولة أعلى في جيبه كل شهر.
ثانياً: شوارع أكثر أماناً
الأردن يُعاني من أحد أعلى معدلات حوادث السير في المنطقة. جزء كبير من المشكلة ليس السائق وحده — بل السيارة نفسها. سيارات عمرها عشرون عاماً، بدون ABS، بدون وسائد هوائية فعّالة، بفرامل متآكلة، تسير يومياً على طرق الأردن لأن أصحابها لا يستطيعون تحمّل تكلفة الاستبدال.
تسهيل الوصول لسيارات حديثة يعني بشكل مباشر أن حوادث أقل ستقع، وأن الإصابات والوفيات ستنخفض. الدولة تنفق سنوياً مئات الملايين على علاج المصابين في الحوادث وتعويضات العجز — هذا المبلغ وحده يُبرر التفكير الجدي في أي سياسة تُجدد الأسطول.
ثالثاً: قطع الغيار والسيارات المستعملة
السيارات القديمة المتهالكة لا تختفي حين يتوقف عن استخدامها — تتحول إلى “كناشات” تملأ الأحياء، أو تُفكَّك وتُباع قطعاً بأسعار زهيدة. هذا السوق قائم لأن القطع القديمة هي الأرخص المتاحة.
حين يتجدد الأسطول، يدخل سوق قطع الغيار المستعملة حجم أكبر من القطع الحديثة والأفضل جودة. ورش الصيانة تستفيد، والمستهلك يجد بديلاً أفضل بسعر معقول، وتجار السيارات المستعملة يجدون مخزوناً أحدث يمكن إعادة بيعه.
رابعاً: البيئة والهواء الذي نتنفسه
عمّان تحتل باستمرار مراتب متقدمة في تلوث الهواء على مستوى المنطقة. المحركات القديمة التي تحترق بكفاءة منخفضة وتنفث دخاناً أسود مسؤولة عن جزء كبير من هذا التلوث.
السيارات الحديثة تعمل بمعايير انبعاثات أصارم، واستهلاكها للوقود أقل. أما السيارات الهجينة والكهربائية — التي تبقى بعيدة عن متناول معظم الأردنيين بسبب ارتفاع الجمرك — فهي فعلياً مستبعدة من الشارع الأردني في ظل النظام الحالي. تسهيل دخولها يعني هواءً أنظف وفاتورة نفط أخف على الاقتصاد الوطني.
خامساً: خزينة الدولة تكسب لا تخسر
المخاوف المالية المعتادة في هذا النوع من المقترحات مشروعة: هل الدولة ستخسر إيراداً فورياً؟ الجواب: ليس بالضرورة.
أولاً، كثير من المواطنين اليوم لا يُجمركون أصلاً لأنهم ببساطة لا يستطيعون — المقترح يحوّل جزءاً من هؤلاء إلى دافعين فعليين. ثانياً، رسوم الترخيص المرتفعة تضمن تدفقاً سنوياً ثابتاً بدلاً من دفعات متقطعة. ثالثاً، في حال تعثّر المالك أو رغب في التخلي عن السيارة، تعود إلى المنطقة الحرة وهو المسؤول عن تصريفها — بيعاً أو تصديراً أو تفكيكاً. الدولة لا تخسر شيئاً، بل استوفت رسوم السنوات الماضية.
خاتمة
هذا المقترح ليس تسهيلاً للترف — السيارة في الأردن ليست كمالية، هي وسيلة عمل ومعيشة لملايين الأسر. النظام الحالي يُعاقب من لا يملك نقداً كافياً ويُكافئ من يستطيع الاقتراض بفوائد مرتفعة. الشرائح الجمركية تعيد التوازن: المواطن يحصل على سيارة آمنة وحديثة، الشوارع تصبح أقل خطورة، الهواء أنظف، وخزينة الدولة تضمن إيراداً مستداماً بدلاً من مبالغ متقطعة وغير مضمونة.
