هناك خرافة مريحة يتداولها رجال الأعمال في مجالسهم: “لو ما كان في فساد، كانت الأمور تمشي.” الخرافة مريحة لأنها تضع المسؤولية على شخص مجهول يأخذ رشوة في مكان ما، وتُعفيك من سؤال أصعب: ماذا لو كان النظام نفسه هو المشكلة، حتى حين يعمل بنزاهة تامة؟
الأردن سجّل المرتبة 56 عالمياً في مؤشر مدركات الفساد لعام 2023 — الخامس على مستوى المنطقة. هذا رقم لا يُهان. القضاء قادر على إنفاذ العقود، وحقوق الملكية محمية على الورق، والمنظومة الرقابية ليست في مستوى الدول التي تُصنَّف دولاً فاشلة. بكل وضوح: الأردن ليس بيئة فساد مالي بالمعنى الكلاسيكي.
لكن المستثمر الذي يأتي بمشروع حقيقي لا يصطدم بموظف يطلب رشوة. يصطدم بشيء أشد إيلاماً: لا أحد يطلب منه شيئاً غير قانوني، لكن لا أحد يستطيع أن يعطيه جواباً.
تريد ترخيصاً؟ الأمانة تقول اذهب للبلدية، البلدية تقول اذهب للبيئة، البيئة تقول انتظر موافقة الغذاء والدواء، والغذاء والدواء تقول الملف ناقص. منصة Invest.jo موجودة، النافذة الموحدة موجودة، الإعلانات موجودة — والمعاملة لا تزال تدور في حلقة بين أربع جهات لا تتكلم مع بعضها.
هذا ليس فساداً. هذا أسوأ من الفساد. الفساد له سعر، تدفعه وتمشي. البيروقراطية المشرذمة ليس لها سعر — لها وقت، وهدر الوقت في الاستثمار يعني تكلفة رأس المال المعطّل، وتغيّر ظروف السوق، وقرار المستثمر بأن يذهب إلى دبي أو القاهرة أو حتى يبقى في بلده.
أما الضرائب، فالأرقام تتكلم بلا مجاملة: ضريبة دخل على البنوك والاتصالات تصل إلى 35%، ضريبة مبيعات عامة بنسبة 16%، وكلفة طاقة هي من الأعلى إقليمياً وفق تقارير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية. دبي لا تأخذ ضريبة دخل على الأفراد. السعودية في طور إعادة هيكلة كاملة لبيئة الأعمال بمليارات الدولارات. مصر تتنافس بكتلة سكانية ضخمة وكلف إنتاج أدنى. الأردن يتنافس بماذا بالضبط؟
المفارقة الحقيقية هي هذه: الأرقام الرسمية لوزارة الاستثمار تُظهر نمواً في حجم الاستثمار المرخّص، لكن المشاريع العملاقة غائبة. المصانع الكبرى غائبة. مراكز التكنولوجيا الإقليمية ذهبت إلى الرياض وأبوظبي. الأرقام تنمو والأثر الاقتصادي الحقيقي — فرص العمل، نقل التقنية، الصادرات الصناعية — لا يتناسب مع الضجيج.
المشكلة ليست في النية. المشكلة في بنية لا تُشجّع من يريد بناء شيء كبيراً. وأشد ما يُقلق في هذه البنية ليس أنها فاسدة — بل أنها مرتاحة لنفسها تماماً.
