يستيقظ الأردني صباحاً ليجد رصيده صفراً، لا لأنه استهلك شيئاً، بل لأنه نسي أن يشحن أمس. ٢٤ ساعة بدون شحن تعني قطع الخدمة. في دولة تتحدث عن التحول الرقمي وتضع صور المدن الذكية على كل بيان حكومي، شركات الاتصالات تعمل بمنطق بسيط: ادفع الآن، أو نقطع عنك كل شيء.
هذه ليست سياسة تجارية. هذا ابتزاز منظّم.
الخط المسبق الدفع: فخ مصمم بعناية
نظام الخطوط مسبقة الدفع في الأردن مبني على افتراض واحد: أن المشترك يجب أن يثبت ولاءه باستمرار. لا تكفي أنك مشترك منذ سنوات. لا تكفي أنك دفعت مئات الدنانير طوال السنوات الماضية. إذا لم تشحن خلال النافذة الزمنية المحددة، يُعاملونك كغريب.
المفارقة أن هذا لا يحدث في معظم دول العالم. في ألمانيا، في فرنسا، في تركيا، حتى في مصر، الأرصدة تنتهي فقط عند الاستهلاك الفعلي، والخط لا يُقطع لأن صاحبه لم يشحن. لكن في الأردن، ابتكرنا نموذجاً خاصاً: الشركة تأخذ أموالك، ثم تضع توقيتاً على بقائك في شبكتها.
ثلاث شركات، نفس العقلية
زين، أورانج، Umniah. ثلاثة أسماء مختلفة، سياسة واحدة. لا يوجد منافسة حقيقية في سوق الاتصالات الأردني على المستوى الذي يحمي المستهلك. الشركات الثلاث تعرف أنها الخيار الوحيد المتاح، وتتصرف بناءً على ذلك.
حين تتشابه سياسات ثلاث شركات إلى هذا الحد، لا تسمّ ذلك منافسة. اسمه تنسيق.
لماذا لا توجد شركة رابعة؟ لأن دخول السوق يحتاج ترخيصاً، والترخيص بيد الحكومة، والحكومة تتلقى عائدات كبيرة من الشركات القائمة، فلا داعي لتعقيد الأمور.
وزير الاتصالات: غائب حين يُحتاج
منذ سنوات ونحن نسمع خطاباً واحداً من وزارة الاتصالات: الاقتصاد الرقمي، التحول التكنولوجي، الحكومة الإلكترونية. كلام جميل في المؤتمرات وبيانات الصحافة.
لكن حين يسأل المواطن: لماذا يُقطع خطي لأني لم أشحن؟ لماذا ينتهي رصيدي قبل أن أستهلكه؟ لماذا الباقات أغلى مما هي عليه في دول أكثر كثافة سكانية وأعلى تكلفة تشغيلية؟ – لا جواب.
هيئة تنظيم الاتصالات موجودة على الورق كجهة رقابية مستقلة. لكن آخر مرة فرضت فيها غرامة حقيقية على إحدى شركات الاتصالات بسبب شكوى مستهلكين؟ اسألوا. ربما تجدون جواباً.
الوزير الذي لا يستطيع أن يُلزم ثلاث شركات بسياسة واضحة لحماية المشترك، ليس وزيراً لاتصالات الناس. هو وزير لاتصالات الشركات.
“اقبل أو اتركه” ليست سياسة
الرد الرسمي وغير الرسمي دائماً نفسه: “اقرأ الشروط والأحكام.” “هذا مكتوب في العقد.” “لا أحد أجبرك على الاشتراك.”
هذا المنطق يصلح في سوق فيه خيارات حقيقية. حين تكون الشركات الثلاث تطبق نفس السياسة، الحديث عن “الاختيار الحر” مجرد نكتة. أنت مضطر لخط هاتفي. أنت مضطر لإحدى هذه الشركات. لا يوجد خيار رابع.
هذا هو تعريف الاحتكار الفعلي: حين يختفي الخيار الحقيقي، تختفي معه كل مبررات “السوق الحرة”.
ماذا يُفترض أن يحدث
لا يحتاج الأمر إلى ثورة. يحتاج إلى قرار. قرار واحد من هيئة تنظيم الاتصالات يُلزم الشركات بما يلي: لا يُقطع الخط إلا عند نفاد الرصيد فعلياً، لا بناءً على مرور وقت بدون شحن. الرصيد ملك المشترك، وينتهي فقط حين يستهلكه.
هذا القرار موجود في عشرات الدول. ليس فكرة طوباوية. هو معيار عالمي متعارف عليه.
لكنه لم يصدر حتى اليوم. والسؤال ليس “لماذا؟”. السؤال: من يستفيد من غيابه؟
