في عالم الإدارة الحديثة، يُفترض أن تكون كلمة المسؤول خارطة طريق يلتزم بها الجميع. لكن في مشهدنا المحلي، نصطدم بجدار يفصل بين ما نسمعه في المقابلات المتلفزة وبين ما نواجهه خلف مكاتب المراجعين.
فجوة “السيستم” والعقلية البيروقراطية
حين يصرح مدير محطة “سند” بأن التطبيق معتمد في كافة الدوائر والبنوك، فهو يتحدث من منظور تقني بحت. تقنياً، النظام جاهز. لكن عملياً، الموظف خلف المكتب ما زال يثق بالورقة المفتوحة والختم الحي أكثر من الهوية الرقمية. وهذا ليس تقصيراً شخصياً بقدر ما هو نتيجة طبيعية لغياب التوافق بين اللوائح الداخلية للمؤسسات والتوجه الحكومي العام. فبينما تقول الحكومة “اعتمدوا سند”، تطلب تعليمات البنك الداخلية أو الجمارك “صورة مصدقة”، والموظف في هذه الحالة يتصرف بمنطق المحافظة على نفسه لا بمنطق العرقلة.
غياب الرقابة والمحاسبة
التصريح بلا آلية تنفيذ ليس سياسة، بل أمنية. المشكلة ليست في صدور القرار، بل في أنه لا أحد يتفقد الدوائر لاحقاً ويسأل: هل تطبقون ما أُعلن عنه؟ حين يرفض موظف البنك الاعتراف بتطبيق رسمي دون أن يواجه أي مساءلة، يرسخ في ذهن المواطن قناعة واحدة: أن قرارات الدولة لا تصل إلى النهايات.
أزمة الثقة وتشتت المرجعية
المواطن اليوم واقع بين مرجعيتين متناقضتين: مسؤول في الأعلى يريد حكومة ذكية، وموظف في الأسفل يريد تجنب المساءلة. في الجمارك يُطلب منك وثيقة ورقية متوفرة رقمياً. في الأمانة تتعطل معاملة بسبب توقيع يمكن استبداله بالهوية الرقمية. في البنوك يُستحضر الخوف من الاحتيال مبرراً لرفض تقنية تحميها تشريعات قائمة. الخاسر في كل هذا هو وقت المواطن.
الخاتمة: الحل يبدأ من الإلزام لا الإعلان
لن ينجح “سند” أو أي مشروع وطني مشابه طالما اكتفت الجهات بالإعلان عنه دون إلزام المؤسسات بتطبيقه. الانتقال الحقيقي يحدث حين يتحول القرار من “خيار” للمؤسسات إلى “التزام قانوني” بعقوبة واضحة لمن يخالفه. مصداقية الحكومة لا تُبنى في الاستوديوهات، بل في المكتب الذي يُقبل فيه الملف الرقمي دون أن يُطلب منك طباعته.
