شوارع عمان في أيام العيد كانت تحتاج ساعات إضافية لعبورها. اليوم، تمشي فيها بلا ازدحام يُذكر. ليس لأن الناس اختاروا البقاء في البيوت، بل لأن الذهاب إلى السوق بات يحتاج قراراً — لا مجرد مزاج.
هذا ليس وصفاً أدبياً. هذا ما تقوله الأرقام.
أولاً: بطالة الشباب — الرقم الذي تُتجنب قراءته بصوت عالٍ
دائرة الإحصاءات العامة في تقريرها الصادر أبريل 2026 تقول إن البطالة الإجمالية بلغت 16.1%. لكن الرقم الأخطر يأتي بعده: بطالة الشباب المتعلم تتجاوز 21%.
هذا يعني أن واحداً من كل خمسة أردنيين يحمل شهادة جامعية ويدخل هذا العيد بلا دخل. لا عيدية يعطيها لإخوته الصغار، ولا مشاركة في ثمن الأضحية التي تجاوز سعر الواحدة منها الـ 250 ديناراً في أسواق المواشي هذا الموسم.
خمسة عشر عاماً متواصلة وهذا الرقم لا يتحرك بصورة جوهرية. هذا ليس فشلاً ظرفياً — هذا تراكم سياساتي.
ثانياً: التضخم — الخداع الناعم للأرقام المنخفضة
صندوق النقد الدولي في تقرير أبريل 2026 يُقدّر التضخم في الأردن بـ 2.3% لهذا العام. رقم يبدو معقولاً، حتى تقرأه في سياقه الصحيح.
التضخم التراكمي منذ 2020 نقل الأسر الأردنية إلى مستوى إنفاق مختلف كلياً. كيلو اللحمة، رغيف الخبز من الفرن الخاص، فاتورة الكهرباء في الصيف — كلها تضاعفت، وكلها جاءت فوق رواتب لم تتحرك بنفس السرعة. نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يُقدَّر بـ 5,600 دولار سنوياً بالأسعار الجارية — ما يعني دخلاً شهرياً لا يتجاوز الـ 400 دولار في المتوسط، قبل الاستقطاعات وقبل أقساط القرض.
وهنا يصبح سؤال “تذبح ولا ما تذبح؟” سؤالاً مالياً جدياً، لا خياراً دينياً فحسب.
ثالثاً: الدين العام — الرقم الذي يدفعه المواطن كل شهر وهو لا يعرف
في فبراير 2026، تجاوز إجمالي الدين العام للأردن 48 مليار دينار — وهذا الرقم يشمل ديون مؤسسة الضمان الاجتماعي. بالنسبة لحجم الاقتصاد الأردني، هذا ضغط يُترجَم مباشرة إلى ضرائب أعلى وخدمات أقل.
الأردني العادي لا يقرأ نشرات البنك المركزي، لكنه يشعر بالنتيجة كل مرة يفتح محفظته في الصيدلية أو محطة البنزين. وسم #أجلوا_أقساط_العيد الذي تصدّر منصات التواصل قبل أيام من عيد الأضحى ليس ظاهرة عاطفية — هو استغاثة مالية لأسر يأكل البنك نصف راتبها قبل أن تُحرّك رصيدها.
رابعاً: 12 مليون نسمة في دولة بموارد محدودة
الأردن في 2026 يستضيف ما يزيد على 12 مليون نسمة، في ظل عجز مائي هيكلي وفاتورة استيراد طاقة لا تتوقف. الميزان التجاري يسجل عجزاً مزمناً رغم أن الصادرات نمت بنحو 3% — وهو نمو لا يكفي لسد فجوة ما تستورده البلاد من غذاء ووقود وسلع وسيطة.
المعادلة بسيطة وقاسية: دولة تأكل أكثر مما تنتج، ومواطن يُطلب منه أن يعيش في الوسط.
خامساً: ما لا تقيسه الأرقام
ثمة شيء آخر يضغط على “اقتصاد الفرح” هذا الموسم، لا تُدرجه أي نشرة إحصائية: الحرج الأخلاقي من الاحتفال في ظل ما يجري في غزة.
الأردني الذي يتردد في شراء الأضحية لا يتردد فقط بسبب السعر — بل لأن شيئاً ما في المشاعر الجماعية قرر أن “الاحتفال الصاخب” غير لائق. هذا التضامن الشعبي له تكلفة اقتصادية حقيقية على المحال التجارية والأسواق والمطاعم، لكنه يعكس شيئاً لا يمكن اختزاله في رسم بياني.
الخلاصة: البيروقراطية تُفسّر ما لا تُفسّره الأزمات
الأرقام الواردة أعلاه — 16.1% بطالة، 48 مليار دين، 5,600 دولار نصيب للفرد — ليست قدراً. هي نتيجة سياسات قابلة للتغيير. لكن ما يعيق التغيير ليس غياب الأفكار، بل منظومة بيروقراطية تحول دون وصول الاستثمار إلى سوق العمل، وتُبقي أرقام النمو الرسمية منفصلة عن جيب المواطن.
الأردن قادر على أكثر مما ينتج اليوم. لكن الطاقة المعطلة — سواء كانت شباباً عاطلاً أو مشاريع متوقفة في دواوين حكومية — لا تنتظر دراسات إضافية. تنتظر قراراً.
